عبد الشافى محمد عبد اللطيف
372
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
حبّا للتعليم منذ عهد عبد الرحمن الداخل ، فقد كان هو نفسه شاعرا وأديبا وفقيها ، وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن ( 238 - 273 ه / 852 - 886 م ) بدأ المؤرخون يتحدثون عن المكتبة الملكية كواحدة من خيرة مكتبات قرطبة ، واشتهر عبد الرحمن الناصر نفسه بحب الكتب شهرة وصلت إلى بيزنطة وحين أراد الإمبراطور قسطنطين السابع أن يتقرب إلى الناصر أهداه بعض الكتب ، منها كتاب ديسقوريدس في الطب في مجلد رائع كتب بحروف مذهبة . . . وفي ذلك الوقت بدأ اثنان من أبناء الناصر - وهما الحكم ومحمد - دراستهما تحت إشراف مؤدبين من أسبانيا والشرق ، واستيقظت هوايتهما للكتب في قوة ، حتى أن مكتبة والدهما لم تعد تشبع نهمهما ، وتنافس كلاهما ، أيهما يستطيع أن يسبق الآخر في تكوين مكتبة أدق اختيارا وأكثر عددا ؟ وبعد فترة توفي الأمير محمد وورث أخوه الحكم مكتبته ، وجمع الثلاث في واحدة ، وأصبحت هذه مكتبة القصر . . . وكان يعمل فيها دون توقف أمهر المجلدين في أسبانيا ، إلى جانب آخرين جيء بهم من صقلية وبغداد ، ومعهم جمهرة من الفنانين ، رسامين ومزوقين ومنمقين ، يزخرفون الكتب بالصور الجميلة ، بعد أن نسخها أدق الخطاطين لتقديمها إلى لجنة من كبار العلماء ، تقوم بمعارضتها وتصحيحها ، وتدفع لهم الدولة مرتباتهم في سخاء « 1 » . إن هذا الولع الملكي بالكتب انتقل إلى الشعب ، حتى لم يكد يخلو بيت من مكتبة ، وهناك أسر كبيرة جمعت كميات هائلة من الكتب وكونت مكتبات كبيرة ، مثل أسرة ابن فطيس وغيرهم . ولا يتسع المكان للحديث عن بقية مكتبات قرطبة فضلا عن غيرها من مكتبات المدن الأندلسية الآخرى ، مثل مكتبات إشبيلية والمرية ومالقة وبطليوس وطليطلة وسرقسطة وبلنسية . . إلخ ولا يتسع الحديث كذلك عن المكتبات التي كان الأثرياء يوقفونها على الفقراء من طلبة العلم ، فالكتب التي تجمعت في المكتبات الأندلسية ، سواء التي ألفها علماء الأندلس أنفسهم ، أو التي جاءت من المشرق الإسلامي أعدادها تفوق الحصر ، فكل عالم جاء من الأندلس إلى المشرق ودرس وتعلم وعاد إلى الأندلس عاد ومعه كتب ، بل رأينا فيما سبق عالما واحدا وهو سلمة بن سعيد جاء من المشرق إلى الأندلس بثمانية عشر حملا من الكتب ، والمقصود بالحمل
--> ( 1 ) المرجع السابق ( ص 190 ، 191 ) .